ماهو المشكل مع الدين الاستاذ السيد محمد رضا الغريفي

 

المستخلص

إن جميع الاديان في العالم تنتمي زمانيا الى مراحل مختلفة  وقبل ما نسميه اليوم بالحداثة التي يعج بها العالم في هذه الآونة من الزمان، ومع هذا نجد نظرية الاسلام تتقلب في زوايا المكان والزمان بحيث اصبحت المبادئ الاسلامية هي الظاهرة الحضارية التاريخية التي لا تختص بزمان دون اخر، وبعبارة أخرى ينقسم المنظور الديني الى فترة الانبثاق والى مبدأ الصلاحية المفتوحة لتكون  أبعاده صالحة للاستعمال في كل مرحلة من مراحل الزمان

 

Abstract

All religions in the world temporally belong to different stages and by what today we call modernity that exist in the world at this point in time, inspite of this we find the theory of Islam fluctuate in the corners of space and time, so that the Islamic principles became the cultural and historical phenomenon which did not concern by time without the other. In other words religious perspective is divided into a period of emanation and to the principle of open authority to be deported usable in every stage of the decade.

 

لم يكن الدين في جوهره علاقة بين الانسان وربه وفق نهج تعبدي محض يربط السماء بالأرض ليكون النهج الأمثل مع نفسه من جانب ومجتمعه من جانب أخر.

انه نظام متكامل لحياة الانسان يخضع بموجبه لقوانين تضبطه وتحد من هواه ليكون متوازنا مع ذاته أولا يمسك بها متسايرة مع روح ما يؤمن به ليعيش مع الآخرين ومع الاخرين الذين يخضعون لضوابط الجماعة ويعيشون في كنفها ثانياً والتوازن هنا هو في الذات البشرية الذي لا يتغلب جزء الشر منها على جزء الخير بل يختفي الأول تحت معايير النظم والقوانين الضابطة باعتبار أن الانسان له شق جسدي يحكمه الهوى وشق روحاني يحكمه العقل المدرك لاحقيقة نفسه إلا تكون في أسفل الدرك وأحقية مجتمعه في أن يحيى دون اعتداء منه على حقوقه.

وعلى مدى تتالي الأديان على البشر تساما إنسانها المؤمن إلى درجة الانضباط وتقدم ليدرك الحياة على أنها عرض زائل في فترة زمنية محددة وأنها مقدمة لحياة اخرى تطول أمدها في ما لا نهاية  وعلى هذا سدت الشروخ النفسانية لدى المؤمن بالدين وبنيت العلائق على الوجه الذي تريده الروح ان تكون فكانت الجماعة أخوة لا تتحكم فيهم المصالح للفرد لتعلو على المجتمع كما لا يغمط المجتمع. حق الفرد فيه وكان المقوم العام هو الاساس الذي يلجأ اليه حال النزاع.

وإذا كان المشكل كما قيل هو المتحكم بالمسيرة البشرية كان الحل  بلا شك لدى الدين لعجز العقل البشري بما يحكم الفرد كفرد بالإحاطة بالكل المجموعي وذلك لتأثيره بمدارك محدده واقتصاره على الحيز الضيق في اطار الماديات مع أن الإشكال لا يتعلق بالمتحكم المادي فقط بل يتعداه الى ما يقع وراء المادة أي بالشق المحسوس وللامحسوس

ان الديانات  التي تتالت على البشرية  لتكامل الإنسان  وربط المادة بالروح  ويعجز الانسان وحده  عن الانغمار في ذلك أو الاحاطة ليكمن النمط البشري في الميزان الأوفى إذ لابد من سير الأغوار وما يسعى إليه الدين هو مايشكل في الجوانب المتعددة للشخصية البشرية كما انه لا يدخل تحت النطاق السالب لحرية الاختيار ليدخل في صدام مع مايمليه عليه الواقع إن أحس دخول الأمر في صدام معه يتعلق بذاته هو  أو بأطروحاته التي تكفيه ليكون منفتحا على استحقاقات مجتمعيه ولا تدخل في ذلك عمليات الهجرة من الذات الى الخارج أو من الخارج نحو الذات، ولا يفرق حينئذ بين المرتكزات التي تكون فيه ويحياها ومراكز الثقل التي تدور حوله عند غيره لتؤثر فيه عر جوانب فهم الغير لهذه المرتكزات حتى على مقدار ما أوتي ذلك الغير من شفافية في الرؤيا، ولا بد أن يقترب الإنسان الذي يعايش الأجواء التي يفرضها عليه المجتمع أو السلطة، بما أن المجتمع يمتلك قوة القسر الضاغط، وتمتلك السلطة قوة  القسر المادي الخارجي وهنا لابد للإنسان  أن يجرد من هواه ليصفوا دون كدر في عمق ذاته ليتبادل العلاقة بينه وبين مجتمعه. ولا بد أن السلطة تحيط بكل مجتمع ديني وغير ديني وتهذب العلاقة بين الجميع بقوة القسر المادي الخارجي أو بسلطان الضغط الروحاني الداخلي، وهنا ينبغي التركيز على الدين كمصطلح لأنه قيل أنه في غاية الابهام عند طرحه إذ لا يشير إلى ضرورة أن يتدين كل عضو في الجماعة الاجتماعية بالدين  التقليدي كما هو من خلال طقوس متوراثة عبر الآباء في احقاب الاجيال ومن خلال هذا الفهم تكون كل المجتمعات دينية إذ لايخلو مجتمع من اتجاهات تحكمها قوانين وضوابط تتصل بالإنسان من جانب والغيب من جانب اخر، ولكن الدين الذي يقصد مشكلا لمجتمعاته هو الجانب الواعي المعمق بحيث يكون الشق النظري والعملي هو الهدف بالالتزام وحينئذ يحق لنا ان نتسائل ما الدين وستدرج ليكي نعرفه عقائديا ومضمونياً، او عملياً وصفياً الذي تتعد فيه الاركان ويرتز من خلالها الدين لتستوعب مناحي المؤمن ليعشها ابعاداً وممارسات تؤثر فيه سلوكاً ومنهجاً وطريقاً وسلوب تعامل.

ولا تختلف الاديان في جوهرها الا بمقدار الذي تحمل من تعاليم تحيط الانسان وتسيره بما هو انسان ، ومقدار وكمية ما وصل اليه صحيحاً منذ الانبثاق الاول لتعاليم الدين الذي يؤمن به، وبهذه النقطة لايتساوى الاسلام مع المسحية اواليهودية  او سواهما الا في مقدار ما تحمله تعاليم الدين المنبسطة على من امن بها ليسمى متدين، ولسنا بحاجة هنا لتجريد العناصر المشتركة لاستخلاص توصيف عام يجمع الكل الديني على صعيد مشترك لمعرفة الدين بوصفه العام او بوصفه الخاص او من خلال تعريف مضمونه او عقائدي مادام الاسلوب العملي هو الماثل من التركيز على مضمون المتدين الملازم للدين في محتواه العقائدي الحامل للمعرفة .

وبمعيار الذي ينظر اليه في الجانب الوصفي والعملي يقال بعد وجود تعريق جامع شامل للدين ولكن ذلك لا يلغي- حتى وان لا نوافق على ذلك – التسالم على منعى التدين في المبتغى الديني ليتاح  التعبير عنه في الشق الداخلي العقائدي مابين الانسان وذاته والشق الخارجي العلمي المتمثل بتعاملات العلائق وبممارسات التعبد.

ويشبه هذا القول حد ما ذهب اليه ( كينيث يندل) إذ قال إن الدين:( نظام نظري يتكفل أولا تقديم تفسير للعالم وتبرير لمعاناه الإنسان وثانيا  يقترح على الانسان نمطاً معيناً من الحياة يخلصه من الشعور بهذا العناء وثالثاً يترجم هذا الاقتراح بطقوس  ومناسك ووظائف وأعمال يقوم بها الانسان وصولاً الى ذلك المراد)).

وحسبي أن المراد قد اتضح من تلك الوظيفة العلمية عند الارتكاز الى وظائف تقديم التقسير المقنع للعالم وتبرير عناء الانسان وتنميط سلوك حياتي وصفي وفقاً للوظيفة العلمية في الحد للأوامر والنواهي، أو الوصايا في قوالب محددة، ونصوص تبرز الوظائف والاعمال وتحددها، والطقوس الخاصة، وحينئذ لا يكون هنالك حاجة للتفسير أو التبرير أو التوضيح لتلك الممارسات والاعمال والوظائف ، وهذا الذي نعبر عنه في لغتنا الفقهية الممارسة والأخذ بالأوامر تعبداً كما هي من دون يكون للمتعبد مدخلية من رأي في مقدار ما فرض عليه أو تدخل في كيفية الممارسة بمحض التعقل الخاص.

ان الدين في الحقيقة تشخيص للمشكل الانساني الاساس وتحديد العلاج لهذا المشكل دون الاقتراب من منحى التشخيص ولاشكل العلاج المقترح اذا يتفاوت – دون شك – بين شخص واخر في ظاهره العام ومشكل ومشكل بل بين دين ودين في مطلق اسلوب العلاج، وفي كل الاحوال ان الصيغة الدينية في اساسها تندرج في معالجة الوضع البشري معالجة وصفية خارجية وعملية داخلية تتجلى الاولى  بالممارسة وتتجلى الثانية بالمعالجة الروحانية ليثبت من خلالها الإيمان بالقوة الكاملة المسيطرة على الإنسان دون أن يدري أو من حيث يدري من خلال اللامفهوم الذي يسيره، وليس من الضروري ان يحدد هذا اللامفهوم مادام العقل البشري يرتج عليه كثير من الاحيان من أن يفهم فيعبر عنه بصيغة اللاأداري رغم انه يخضع لها خضوعاً كلياً لأنه يلمسه في عقله الواعي رغم عدم معرفة كنهه أو ماهيته.

ان المخزون الداخلي الذي لابد أن يحياه الإنسان يبرز أو يتمثل بكلمات من خلال البنية الحضارية التي تعكس مضامين داخلية تشكلت عبر علاقاته الاجتماعية، وان الحضارة البشرية كما هو مفهوم هي حضارة مجاملة في كثير من صفاتها والمجاملة هي نوع من المهدئات ولذلك فهي ليست ترفا حضاريا لتضييع الوقت، وحينما يكون الانسان رخواً طرياً شفافا، يكون تصادمه بالكلمة إذ تكون ضد الكلمة وبالمنطق حين يكون قبال المنطق  وحينما تختفي رخاوة الانسان ويتصلب يتحول الى التصادم باليد بديلا عن الكلمة وان تطور متدرجا للصلابة الاكبر تحل السكين مكان اليد . ان اللغة التي يهدف إليها الدين تتركز على التسامح والتراحم وهي تتدرج عبر الاجيال وتثبت في ممارسة واقعية بعيدة عن اللاعنف، وذلك أمر مجهول تماما لمن لم يعش الدين حقيقة، او لم يصرف جهده في الإحاطة بمفرداته الصحيحة ضمن اللغة التي يريدها، رغم الجم العظيم من المفردات التي تمازج بين الجوانب المختلفة من الحياة حيث يكون الاقناع قد وصل الى الدرجة القصوى في المنهج البشري، وكما يقول( برت راند راسل): ( ان خلق القناعة عن الاخر هو الهدف بأن العمل صحيح او غير صحيح وذلك عن طريق البرهنة والاستدلال وهذا من شأنه أن يؤثر على قطاعات مهمة بعد معرفتهم لحقيقة العمل  المفروض اخيراً أو شرا. ومادامت وسيلة لم تحقق يمكن الانتقال من أسلوب إلى آخر ويكون الترغيب في بداية من اجل تحفيز الجانب المتبقي ممن لم يقتنع  من الناس وحثهم على اتباع المنهج الامثل وعن  بقي من لا يستجيب لأساليب الإقناع او الترغيب يكون الانتقال الى أسلوب الإلجاء عن طريق الاستفادة من ادوات الضبط والقانون فأن وقفت المسألة عند هذا الحد ولم تفلح تلك الطرق الثلاث في تحقيق المبتغى يكون العنف هو الخيار الأخير. وذلك ما تنتهجه الأديان الحية إذ ان قوة القسر الشرعي التي تمارسها ممن يحق له ممارستها لا تتأتى الا بانتهاج الأساليب الثلاث بموجب قوانين ومقررات عادلة، وتلك  نقطة في غاية الاهمية لان الإمكان قائم ان يفرض من جانب معين يصل الى القسر في مواقع معينة من التشريع بالنسبة للتشريعات الارضية أو عبر النفوذ والضغط وشراء الذم فتكون القوانين والتشريعات متناغمة مع تطلعات من يسنها ويعبر الالتجاء الى العنف حينئذ بموجب تلك القوانين عن واقع شخصي يكون خارجاً عنه متمرداً وخصيماً، وفي هذا لابد من التركيز على اصطلاح القانون العادل بوصف مباشر يتماشى مع الجوهر الذي يسنه  الله تعالى للخليقة وينزله على شخص ذي مواصفات خاصة يسمى رسول او نبي.

ان الغاية التي يبتغيها الدين هو بلوغ تجربته حد الكمال، ويسعنا إن القول حينئذ ان الجوهر الذي يسعي اليه الدين  عندنا هو تكامل تجربته على صعيد المجتمع والحياة وحينئذ لابد من اجل بلوغ هذه المرحلة ومعاينة الحقائق التي أمن بها المتدين قلبياً وشهدوياً، وأحسب ان قوله تعالى ((  من كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى)) تشير الى هذا المضمون، ولا يصل المتدين الى غاية مايريد الا بعد  ان يكون متقبلاً لما جاء به الدين بالصورة التي يؤمن بها وعندنا  لما جاء به رسول الله (ص) نقلياً وآمن به عقلياً حاضراً لدية في دائرة الشهود والوجدان والتجربة العلمية، وبعبارة أخرى إن الانسان يجب أن يعمل حضورياً بما سبق وإن علم به حصولياً، فالشخص المتدين ينتهل المعارف والحقائق من باطن الوجدان ويتذوقها ووفق هذا المنظور يمكنه حينئذ أن يقول حدثي فلان عن فلان عن رسول الله عن جبرائيل عن الله، وهذا البيان الحقيقي للمقامات التي يصل اليه المتدين بحيث يرى أن التجربة السلوكية جوهرا وغاية لما يعتقد وان التدين في ذاته هو مقدمة معنوية لما يريده.

إن جميع الاديان في العالم تنتمي زمانيا الى مراحل مختلفة  وقبل مانسميه اليوم بالحداثة التي يعج بها العالم في هذهالآونة من الزمان، ومع هذا نجد نظرية الاسلام تتقلب في زوايا المكان والزمان بحيث اصبحت المبادئ الاسلامية هي الظاهرة الحضارية التاريخية التي لا تختص بزمان دون اخر، وبعبارة أخرى ينقسم المنظور الديني الى فترة الانبثاق والى مبدأ الصلاحية المفتوحة لتكون  أبعاده صالحة للاستعمال في كل مرحلة من مراحل الزمان، أما  الدين بمنظور التجربة الدينية فهو أمرفوق التاريخ لان جميع زعمائه بكافة اتجاهاتهم خاضوا تجارب محددة تبلورت على شكل مفاهيم وتجلت بأسلوب عملي انتقل  من الذهن الى اللسان لتصطبغ بلون الفكر والثقافة السائدة في العصر الذي خاض التجربة متأثراً بها بشكل أو بآخر . ان فهم التجارب التي مر بها صناع القرار في فكرنا الإسلامي لابد ان تكون راسخة ومتسايرة مع واقع العصر ولابد أن يكون للتجربة الحالية عن طريق الاجتهاد متأثرة في الواقع العملي يحيط بها زمانها ومصطبغة بالواقع الحضاري والثقافي السائد في عصرنا .

واذا كان ولابد أن نتحدث عن تجربة الاديان بصورة عامة وتجربة الدين الاسلامي بصورة خاصة فلا بد أن نؤمن بتلاقي الثقافات عند التجربة  عبر النصوص المقدسة لتلك الأديان بمذاهبها المتعددة وحينئذ لابد ا نتمسك بتلك النصوص حرفيا مع التأمل في جوهرها ومضامينها باعتبارها ظاهرة زمانية تسري الى عصرنا الذي انتهينا إليه والعصر الذي يلينا من جانب احتمالها لدلالات معمقة تواشج بين المنحنى لها وبين الفوق الحضاري المتجدد الذي لا يقبل التصرم والانقضاء ولا يمكن لنا ان نقبل القول بان التجارب المعنوية بنفسها هي عرضة للتأثر بالخصوصيات الثقافية بعصر حدوثها لتخرجها من جوهر النص التي أتت به.

 

ومن هنا يمكننا ان ندخل في حديث العلاقة بين الدين واللبرالية من حيث انها كلمة اشتقت من اللاتينية  وتعني الحر او الحرية واذ يقال بأنها مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع يقال ايضا بأنها إطار لتحرير الانسان كفرد أو كجماعة من القيود السلطوية السياسية والاقتصادية والثقافية وتتحرك وفق الاخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها متكيفة حسب ظروف كل مجتمع .

واللبرالية على هذا الاساس مذهب سياسي واقتصادي وهي حين تعنى بالسياسة  فإنها تهدف الى تقديس الفرد وتنتهج الفلسفة التي تمجد استقلاله والالتزام بحرياته الشخصية وحمايتها مدنياً وتنظيمياً ويكون السعي وفق كل هذا الى ترسيخ ما تسمية النظم الديمقراطية بواجهة البرلمانات.

إن المنطلق الأساس للبرالية هو الفرد بصفته الكائن الملموس للإنسان  بعيداً عن التجريدات  والنظريات وفي هذا كل تعنى بكمال الاختيار له في الشهادة وإبهام الأمر وغموضه في عالم الغيب، أن عالم الغيب في الحقيقة متروك الى عالم الغيب والشهادة معاً.

إن منظري اللبرالية لا يتناقضون فيما يهدفون إليه من فلسفة تسيرهم  ولا فرق في ذلك بين( لوك) الذي نهج الديمقراطية تفكيراً وأسلوب عمل، وبين(بنثام)  الهادف في فلسفته الى النفعية من خلال قراءته لدوافع السلوك الإنساني الأولى إن النتيجة النهائية عند كل هؤلاء تسير نحو هدف الحرية والاختيار ، وحيث أن اللبرالية لاتأبه بسلوك الفرد ولا تلتفت اليه طالما هو في الدائرة الخاصة ضمن ما استن هو من حقوق وحريات فأنها تقف بصرامة ضده أن مارس حقه في الخروج هو من حقوق وحريات فأنها تقف بصرامة ضده أن مارس حقه في الخروج عما رسم له من طريق محدد بين منحنيين، وبعبارة اخرى فأن من شأن الفرد في اللبرالية أن يكون متفسخاً فاسداً قبيحياً ولكن ليس من شأنه أن يكون مؤذياً بتفسخه وفساده وقباحته للأخرين واللبرالية في كل هذا لا تعترف بمرجعية مقدسة إذا لا تأبه برموزها يجعلهم متحدثين بلسانها أو ترفع من شأن واحد منهم الى درجة الرمزية وكونه المعبر الوحيد عنها والناطق باسمها وبهذا فهي ليست مذهباً متعلقاً على نفسه- كما قيل- رغم أن تاريخها مشحون بالتجارب والنتاج الثقافي المتمحور حول قيمها.

وتروج اللبرالية لمجتمع مفتوح يقوم على التجارب والتجارة الحرة في أطار حكومة يقيد صلاحيتها دستور واحترام الافراد وتستمد افكارها من شعوب وثقافات واديان مختلفة، اما دور الحكومة في المجتمع الذي تحكمه فهو حماية حرية المواطن من الاكراه والتعسف وكنتيجة لذلك فهو مع التنوع الديني بصورة كبيرة اذ لا تمنع مجتمعنا من ان يتدين بأي دين أو أن يتمازج اليهودي مع المسيحي مع المسلم في بودقه مشتركة وهي تبرر النزاع الذي يحصل بين هؤلاء لو حدث في جوانب التدخل الحكومي الذي يحيط الممارسات الانسانية ولكن ليس من الضروري كما تقول ان يكون هناك نزاع، ولايعني هذا القول عندهم أن لا مكان للحكومة اذ هي مفيدة  في حماية النظام  والعدالة على أن تكون مقيدة ومراقبة، وفي هذا يدعم اللبراليون حكم القانون الذي يحد من الاستخدام التعسفي من قبل المسؤولين الحكوميين في السلطة . واذا حق لنا ان ننظر ويحق لنا ذلك فإننا نجد ان اللبرالية تتقاطع مع الدين من حيث انها تهتم بما يمليه قانون النفس ورغباتها ولانفلات نحو الحريات بكل صورها مادية وسياسية ونفسية، وحسب تعبير ( جان جاك روسو) في تعريفة للحرية الخلقية من انها (( اطاعة للقوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا) وحين ذلك يكون الانكفاء الى داخل النفس البشرية وانفتاح داخل القوانين التي تشرعها النفس، والانكفاء يعني التمرد والثورة على كل ما هو خارجي والانفتاح هو إطاعة لما تشرعه النفس من الداخل وهذا يعني الخضوع  كليا للرغبات التي لا تحدها حدود ولا تخضع لقانون فما تشتهى النفس تعمل  ويكون القانون حينئذ مقيداً تحت اي اعتبار من الاعتبارات ويصبح حينئذ تهذيب النفس  البشرية بعيد المنال إذ لا محدودية لرغباتها ولا أمد ولا نهاية لمتطلباتها من حيث انها تدور مع الانفلات حيث مادار، أما القانون الإلهي فهو تربية للذات تهذيب للنفس تشذيب للشخصية من خلال ايجاد مرتكزات لها ومصدات تشكم الإنسان على الانزلاق في المهاوي او الانفلات من المعاقل. واذا كانت اللبرالية تحمي الفرد بما انه فرد وحسب فأن الدين يحميه بما هو فرد اولا بحقوق له وواجبات عليه ، وبما عضو في الجماعة البشرية تحميه منها ويحميها منه واجبة،  وتكون الموزانة حينئذ دقيقة بين متطلباته كشخص وبين حقوق الجماعة المحيطة به كمجتمع. واذا كانت اللبرالية تسمح للإنسان بأن يتفسخ ويعيش كما هو من دون ضوابط التي تتطلب منه ان يعيش ومن ضمنها القوانين التي تحد من نشاط ذاته من ان تتصاعد  لتتغلب على ذوات الاخرين أو تقصر وجودهم وتختصره بشخص متسلط فوق يعيش متأمرا حين تتوافر له القوة أن يعيش واذا فسحنا المجال لكل فرد أن يكون كما  هو فسوف نرتد الى حيوانته الانسان الذي يتعطل فيه العقل والتعقل هي الميزة الأساسية التي يتميز بها كما هو في محيط ما يتعقل هي ضوابطه ومرتكزاته الفطرية إضافة الى منطقة العقلي الذي يحاه، وإذا انعدمت تلك فيه فلا ميزة لرغبات إنسان على رغبات إنسان اخر وحينئذ تصطدم رغبة هذا برغبة ذلك ولا يكون القانون حينئذ هو الفيصل الحكم إذا اختلط الكل في الكل وإذا انعدم  الضابط القانوني الذي يسنه له من له الحق في السن وأكيد بانه ليس الإنسان لأنه غير ملزم للإنسان الاخر لعدم الميزة بين الإنسانين بالإضافة الى أن الدولة لا تستطيع  ان تحكم فرد وفرد برقابة له في كل حين إذ إن قوانينها تحكمه وتتحكم فيه إذا طالته متلبساً بخطأ شخصه فرد بشري بأنه خطأ، اما الدين  فهو خلاق  للوازع الذاتي  اذا  يطبق القانون  دون رقيب لاتصال  الفرد بالرقابة الذاتية المستندة الى الغيب والحادة من الاختراقات في الحاضر والصيانة في المستقبل وبذلك تتكامل ركائز الانضباط العام

 

واذا كنا نتحدث عن هذا فان الذي يقصد من التصادم بين اللبرالية والدين هو تصادم مع الاسلام بالذات فإنه هو المنظور كما اعتادت عليه الترديدات الإعلامية والمنظرين الكبار للفلسفة اللبرالية الحاليين امثال ( هندشتون)و(فوكوياما) و( برنارد لويس) اذ ضبطوا  المشكل بأنه مع الاسلام فقط وفي هذا يقول (هندشتون) في كتابه صدامه من  الحضارات ان المشكلة لا تتعلق بالإسلاميين لابد ان يتصادم مع المبدأ اللبرالي، وحينئذ لابد من تفريغه من قيمة الخاصة وإحلال قيم اخرى مكانها، واللبرالية إن كانت فهي مقتصرة على العقل البشري وخبراته في تصور حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة، وهذا يعني حتمية التصادم مع الاسلام التي تؤول مرجعيته الى النصوص المقدسة لله وللرسول وقرانه الذي يقول(( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من آمرهم))  ويقول ((  ما فرطنا في الكتاب من شيء)) يلزم المسلمين في حياتهم ومعاشهم بكل شيء وعلى هذا يلزم تجريد الاسلام من قواع الأساسية تحت مسمى الاسلام اللبرالي المفتوح للتوافق مع كل المفاهيم والقيم الغربية من ديمقراطية وعلاقات تحررية بين الرجل والمرأة وقواعد حقوق الانسان الغربية والمصالح النفعية .

لقد كانت الخطوات المتقدمة في هذا الموضوع ماكتبه  ( ليونارد بياندر) في كتابه اللبرالية الاسلامية حيث قال : ( بغير التيار اللبرالية الاسلامية فإن اللبرالية السياسية لن تنجح في الشرط الاوسط) وما كتبه المستقلين اللبراليين وما قسمه ( شيري برنارد) من الاتجاهات الأساسية في العالم الاسلامي الى أربع فرق الأصوليين والتقليديين والعلمانيين والحدثيين وما استتبع من تقسيمه لهذا لينتهي بأن الحداثيين هم المعول عليهم في الجانب الاكبر في تنفيذ الخطط حيث يسعون بنشاط الى إدخال تقنيات هائلة الى الفهم التقليدي للإسلام فهم يؤمنون بتاريخه ومارسه الرسول ولكنهم يؤمنون بتاريخه وما مارسه الرسول ولكنهم  يؤمنون بأن ذلك ليس حقائق  ثابته وإنما جرى هو متعلق بالظروف التاريخية التي كانت ملائمة  لذلك العصر ولم تعد صالحة اليوم، ويتم التعويل على هؤلاء لامتلاكهم القدرة الكبرى على التزييف إذ هم علمانيون متلونون يصرون على الحفاظ على الأطر والشعارات الإسلامية  الشكلية الأمر الذي يمنحهم القدرة الكبرى على تلبيس المفاهيم وتصحيحها  من خلال أجهزة الإعلام المسيطرة هنا وهناك إنهم يعتمدون  في التصورات والمفاهيم والقيم والسلوك على العقل والمصلحة لا غير ومسألة الدين مما يسهل تفكيكه وإعادة تشكليه حسب المخططات التي يريدونها من خلال جهودهم الفكرية في تأويل الآيات والنصوص لتتفق مع هذه المعايير .

 

ومن كل ما تقدم يمكننا أن نقول بعدم انسجام اللبرالية كمذهب مع ماتؤمن بالإسلام كدين بالأهداف والممارسات لأسباب التالية :

  • أن اللبرالية تؤمن بالعقل كإله وتنطلق منه في أحكام عامة وخاصة بينما الاسلام يؤمن بالعقل البشري كمخلوق لديه مرتكزات ويحد بضوابط فهو يستطيع أن يميز ويدرك ولكنه لا يستطيع ان يتعدى التمييز والإدراك
  • أن اللبرالية تجعل من الفرد الدرجة الثانية بعد العقل الإله في الحياة الاجتماعية والسياسية والقانون هو تنظيم ليس إلا ولا قسر على الفرد في كل ما يرى وينتهج بينما يرى الاسلام الإنسان مخلوق غير متكامل مقدس في نفسه مشرف بالتفضيل على غيره من المخلوقات يعيش في ضمن الجماعة ويقدسها في إطار ما تحميه كفرد والتشريعات إنما هي للحد من انفلات النفس البشرية واعتدائها على الجماعة او اعتدادها بذاتها .
  • ان اللبرالية فلسفة حياة ملموسة تحكم الانسان في واقع ملموس ومحسوس ولاشأن لها بما ورائه فكراً ومعتقداً وروحاً وما يمزج من هذا الكل ليكون الخصوصية الشخصية لكل فرد.
  • لا تعترف اللبرالية بقدسية مقدس والقانون فيها متغير وهذا خلاف الطبع البشري الذي لابد له ان يعيش الرمز في ذاته او في خارجه كي يتوازن ومن دون ذلك الرمز فهو يقع سائباً دون مستندات لو مساند .
  • أن الإسلام يتأطر بنصوص مقدسة يؤمن بها معتنقوه وهي في نظرهم لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وهي حين تتوافق مع الجبلة البشرية تتوافق مع روحانية الانسان بينما اللبرالية تفتقر للإفراد بقداسة نص او بروحانية روح وبذلك يعيش الانسان وفق فلسفتها ومبادئها بما يشبه الحيوان المتعقل .

 

*استاذ في الحوزة العلمية المشرفة في النجف الاشرف